المجتمع

مولود فرعون.. ابن الفقير في دروبه الصاعدة

يُعدّ مولود فرعون (1913 – 1962)، أحد مؤسّسي الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، إلى جانب محمد ديب ومولود معمري وكاتب ياسين. بل إن الناقد الفرنسي المختصّ في الأدب الجزائري، جان ديجو (1921 – 1993)، يرى في كتابه “الأدب الجزائري المعاصر” أن الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، وُلد، في واقع الأمر، مع صدور رواية “ابن الفقير” لـ فرعون مطلع الخمسينيات.

الرواية، التي تُعتَبر باكورة كتبه وأبرزها، تستعرض في ما يشبه السيرة الذاتية، مظاهر البؤس التي عاشها بطلُها “فورولو”، وتنقل في ضوء ذلك، الحياة اليومية في مسقط رأسه، في منطقة القبائل، خلال الفترة الاستعمارية.

صدرت الرواية لأوّل مرّة عن “دار سوي” في باريس عام 1954. وفيها حاول فرعون، كما يقول صديقه الكاتب الفرنسي إيمانويل روبليس (1914 – 1995)، “أن يُدلي بشهادته حول الشعب الذي ينتسب إليه، ويقول بأنهم أناس كسائر البشر”.

اغتالته منظّمة إرهابية فرنسية قبل أيام من إعلان وقف النار

لعل النجاح الذي حقّقه العمل، الذي تُرجم إلى عددٍ كبير من اللغات من بينها العربية، كان بمثابة حافز له لتأليف مجموعة من الأعمال الأخرى، ذات الصلة بالموضوع المتناوَل؛ خصوصاً: “الأرض والدم” و”الدروب الصاعدة”. كما أن مقاطع من “ابن الفقير” أُدرجت، بعد الاستقلال، ضمن المناهج المدرسية الجزائرية، عبر جميع أطوار الدراسة، وهو ما لم يتحقّق للكثير من الكتّاب الجزائريين المعاصرين.

تتميّز كتابات فرعون، بالمزج بين التحقيق الميداني والقصة التوثيقية. كان يعتمد فيها على المراقبة العينية والمعرفة الوثائقية المقرّبة لمنطقة قضى فيها طفولته وجزءاً كبيراً من شبابه. ولعلّه لونٌ من الكتابة اقتضته مآسي الحرب وبؤس حياة السكّان وفظاعة زمن الاستعمار.

يقول: “لقد كتبتُ “ابن الفقير” أثناء سنوات الحرب المظلمة على ضوء مصباح تقليدي. في هذه الرواية، يمكن القول إنني وضعت أفضل ما عندي”. وعن سؤال طرحه الكاتب والصحافي الفرنسي موريس مونواييه (1920 – 2016)، عن اعتبار الرواية سيرة ذاتية، يجيب: “نعم، أنا متمسّك، وبشكل كبير، بهذا الكتاب؛ أولاً، لكوني لم أكن آكل إلا عندما كنت أحسّ بالجوع. زيادة على ذلك، جعلتني هذه الرواية أنتبه إلى إمكاناتي. فالنجاح الكبير الذي حقّقته شجّعني على المضي قُدماً في كتابة روايات أخرى”.

عاش مونواييه في الجزائر خلال الفترة بين 1948 و1956. وفي الخمسينيات، شغل منصب رئيس تحرير في صحيفة “الجُهد الجزائري”، وقد جمعته صداقة بفرعون وتبادلا العديد من الرسائل التي جمعها الباحث إقبال مهني في كتاب بعنوان: “مولود فرعون، موريس مونواييه: قصّة صداقة” (دار الأمل، 2009).

يصف أوّل لقاء له مع الكاتب الجزائري قبل أن يجري حواراً معه: “كلّمني عنه إيمانويل روبليس. بعد نصف ساعة، دخل إلى مكتبي، يداه كانتا مرتبكتين، كان يحمل مظلّة ومحفظة جلدية. تخلّص من هذه الأشياء قبل أن يصافحني بمحبّة، بدا لي متوجّساً، يكاد أن يكون خجولاً، ولكن ما إن تتوافر أجواء الثقة حتى يتفاعل بنشاط، ويفتح قلبه. إنه الإنسان الأكثر روعة من بين الذين عرفتهم. عندما كان يتكلّم، كنت ألاحظه خفية، من خلف زجاج نظّارته المثيرة للانتباه. كانت عيناه تشعّان بريقاً، حيث يلوح من خلالهما، بصيص قادم من عمق حياة داخلية”.

اعتبر فرعون أنه وضع أفضل ما عنده في روايته الأولى

تلك الحياة ستنهيها “منظّمة الجيش السرّي” الإرهابية الفرنسية أياماً قليلة قبل التوقيع على “اتفاقيات إيفيان”، التي تمخّض عنها إعلان وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء تقرير المصير. يعترف مونواييه بأنه، عندما بلغه نبأ اغتيال فرعون، بكى بحرقة، لأنه فقد شخصاً عزيزاً عليه جمعت بينهما صداقة ومحبّة ورسائل كثيرة، وفق قوله.

كان صاحب “الدروب الصاعدة” يعرف أنه مهدّد في أية لحظة بالموت، وكان يتوقّع ذلك، ويواجهه بشجاعة: “أعرف أنني، ربما، سأموت اليوم… قد أُعدم بالرصاص غداً، ولكنني أعلم أنني أنتمي إلى شعب عظيم يملك عزّة النفس، استطاع أن يزعزع قرناً من السبات الذي أغرقه في ظلام دامس، وأن لا شيء يمكنه، منذ الآن، إعادته إلى سابق عهده”.

بعد أيام من اغتياله، كتب أحد أبنائه رسالةً إلى روبليس، الذي أسّس بعد عودته إلى فرنسا دار نشر تُعنى بالأدب الفرنكفوني المغاربي، أصدرت معظم أعمال فرعون، ومن بينها يومياته التي ضمّت مجموعة من رسائله، جاء فيها: “كتبتم، يوم الثلاثاء، رسالة إلى والدي، سوف لن يقرأها. إنه شيء فظيع”.

د
في هذه الرسالة، يروي الابن تفاصيل الليلة الأخيرة مع والده: “لقد سهرنا طويلاً معه يوم الأربعاء، وذلك لأوّل مرة منذ وجودنا في فيلا “لنغ”. في البداية سهرنا في المطبخ، ثم انتقلنا إلى الصالون، وتذكّرنا كل المدارس التي درّس فيها، وشاهدنا بعد ذلك برنامجاً في التلفزيون يتحدّث عن روايتك، وقد سرّه ذلك كثيراً، وأنا أعرف العلاقة التي تربطكما. بعدها، تحدّثنا عنك، ثم ذهب لينام. كنت في الفراش حين سمعته يقول لأمّي: “اتركي الأطفال ينامون”. كانت تريد إيقاظنا لنذهب إلى المدرسة. “كل صباح تُخرجين ثلاثة رجال، هل تعتقدين حقّاً، أنهم سيعيدونهم إليك سالمين”. بصقت أمّي على النار، تحاول طرد الشؤم. وكما ترون، لم ينفع ذلك. خرج والدي ولم “يعيدوه” إلينا… رأيته في غرفة الموتى: اثنتا عشرة رصاصة لم تُصب وجهه أيّ منها. أبي كان يبدو جميلاً، لكنه كان جامداً تماماً، ولم يكن يريد النظر إلى أحد. كان هناك نحو خمسين، بل مئة مثله، ممدّدين على طاولات ومقاعد على الأرض، في كل مكان. أمّا هو، فقد أرقدوه على طاولة في الوسط”.

كاتب ملتزم

ماذا كان موقف مولود فرعون من الاستعمار؟ المرجّح أنه كان يؤمن بالرؤية الاندماجية التي تتصوّر جزائر مستقلّة تسع الجميع، بمن فيهم “الأقدام السوداء”. لكن صاحب “ابن الفقير” سيتخلّى عن الفكرة مع مرور الوقت.

في كتابه “مولود فرعون كاتب ملتزم”، يؤكّد الكاتب الفرنسي، جوزي لينزيني، أن فرعون ساند الثورة بشكل مباشر، مضيفاً أنه كان يرى أن “الكاتب الذي يكتفي بوضع الشاهد السلبي يتحوّل إلى متواطئ”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. You actually make it appear so easy along with your
    presentation but I find this matter to be really one thing that I believe I would by no means understand.
    It seems too complicated and very extensive for me.
    I am taking a look ahead on your subsequent put up, I will attempt to get the
    hold of it!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق